علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

10

الصداقة والصديق

وكذلك العلماء وأصحاب الضياع والرّعاع فهم فقراء بائسون محرومون ، همهم اصطياد الرغيف والفوز بالكفاف . وقد صور لنا التوحيدي في كتبه أحوال هؤلاء المفكرين والأدباء ومقدار الهوة التي انحدروا إليها ، وقد بدأ بنفسه فقال يشكو مرارة العوز : « غدا شبابي هرما من الفقر ، والقبر عندي خير من الفقر » ، وقال مخاطبا أبا الوفاء المهندس مستجيرا : « خلّصني أيها الرجل من التكفّف ، أنقذني من لبس الفقر ، أطلقني من قيد الضّرّ ، اشترني بالإحسان ، اعتبدني بالشكر ، استعمل لساني بفنون المدح ، اكفني مئونة الغداء والعشاء ، إلى متى الكسيرة اليابسة ، والبقيلة الذاوية ، والقميص المرقّع . . . إلى متى التأدّم بالخبز والزيتون . . قد أذلني السفر من بلد إلى بلد ، وخذلني الوقوف على باب باب » . وإذا ما رحنا نستقصي أحوال طبقة الأدباء والمفكرين وجدنا أنها لا تخرج عما وصف به أبو حيّان حاله ، فهذا أبو سليمان السجستاني زعيم المناطقة في عصره كان « بحاجة ماسّة إلى رغيف ، وحوله وقوّته قد عجزا عن أجرة مسكنه ووجبة غدائه وعشائه » ، وهذا أبو سعيد السيرافي ، أستاذ التوحيدي يعمل في الوراقة فينسخ في اليوم عشر ورقات بعشرة دراهم ليعيش » ، وهذا أبو بكر القومسي الفيلسوف بلغت به الفاقة وتعثّر جدّه حدّا جعلاه يقول : « ما ظننت أن الدنيا ونكدها تبلغ من إنسان ما بلغ مني ، إن قصدت دجلة لأغتسل منها نضب ماؤها ، وإن خرجت إلى القفار لأتيمم بالصعيد عاد صلدا أملس ! » . وكان من انعكاس الحياة العامة على الأدب أن غلب عليه التكلف والمبالغة وتلوّن بلون الشحذ والضراعة كما قويت في هذا العصر نزعتا التصوف والزندقة والتوكّل مما نجد أثره في أدب التوحيدي خاصة ونتاج العصر عامة .